الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمداد : اسم لما يمد به الشيء ، أي يزاد به على ما لديه . ولم يقل مدادا ، إذ ليس المقصود تشبيهه بالحبر لحصول ذلك بالتشبيه الذي قبله وإنما قصد هنا أن مثله يمده . والنفاد : الفناء والاضمحلال ، ونفاد البحر ممكن عقلا . وأما نفاد كلمات اللّه بمعنى تعلقات علمه فمستحيل ، فلا يفهم من تقييد نفاد كلمات اللّه بقيد الظرف وهو قَبْلَ إمكان نفاد كلمات اللّه ؛ ولكن لما بني الكلام على الفرض والتقدير بما يدل عليه ( لو ) كان المعنى لو كان البحر مدادا لكلمات ربي وكانت كلمات ربي مما ينفد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي . وهذا الكلام كناية عن عدم تناهي معلومات اللّه تعالى التي منها تلك المسائل الثلاث التي سألوا عنها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلا يقتضي قوله : قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي إن لكلمات اللّه تعالى نفادا كما علمته . وجملة وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً في موضع الحال . و لَوْ وصيلة ، وهي الدالة على حالة هي أجدر الأحوال بأن لا يتحقق معها مفاد الكلام السابق فينبّه السامع على أنها متحقق معها مفاد الكلام السابق . وقد تقدم عند قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] ، وهذا مبالغة ثانية . وانتصب مَدَداً على التمييز المفسر للإبهام الذي في لفظ بِمِثْلِهِ ، أي مثل البحر في الإمداد . [ 110 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 110 ] قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) استئناف ثان ، انتقل به من التنويه بسعة علم اللّه تعالى وأنه لا يعجزه أن يوحي إلى رسوله بعلم كل ما يسأل عن الإخبار به ، إلى إعلامهم بأن الرسول لم يبعث للإخبار عن الحوادث الماضية والقرون الخالية ، ولا أن من مقتضى الرسالة أن يحيط علم الرسول بالأشياء فيتصدى للإجابة عن أسئلة تلقى إليه ، ولكنه بشر علمه كعلم البشر أوحى اللّه إليه بما شاء إبلاغه عباده من التوحيد والشريعة ، ولا علم له إلّا ما علّمه ربّه كما قال تعالى : قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي [ الأعراف : 203 ] .